
ربيعة الحراق .. ابنة العرائش التي رفعت تراث المغرب إلى أفق العالم
ربيعة الحراق… من مدارس العرائش إلى قيادة صوت التراث المغربي في المحافل الدولية

في رحلة تبدأ من الأزقة الضيقة لمدينة العرائش وتنتهي عند منصات الهيئات الدولية الكبرى ، تكتب المهندسة المعمارية ربيعة الحراق فصول مسارٍ استثنائي ، مزجت فيه بين النبوغ العلمي وعمق الانتماء إلى الذاكرة الجماعية للمغرب. واليوم، وهي تمثل المملكة داخل المركز الدولي“إيكورم”لصون وترميم الممتلكات الثقافية، تبدو الحراق كصوت مغربي راشد يتحدث بلغة التراث إلى العالم.
نشأت الحراق في كنف أسرة عرائشية عريقة ، فهي أخت خالد الحراق ، و ابنة الحاج أحمد الحراق والسيدة فاطنة العمراني ، وترعرعت في حي الرحبة د زرع ، حيث كانت ملامح الطفولة تنسج علاقة مبكرة بينها وبين تفاصيل المكان. ومن الكتّاب الديني بالعرائش إلى حصولها على شهادة الباكلوريا، تبلورت شخصيتها على هدوء المدينة وعمق تاريخها ، قبل أن تحمل أحلامها إلى الرباط لمتابعة مسار هندسي رفيع بالمدرسة الوطنية للهندسة المعمارية.
لم يمض وقت طويل حتى التحقت الحراق بـمديرية التراث الثقافي بوزارة الثقافة، وهناك بدأت رحلتها المهنية بخطوات واثقة وثابتة ،شغلت خلالها مناصب وازنة،أبرزها رئيسة مصلحة البرمجة والدراسات التقنية ومفتشة المباني التاريخية والمواقع.وهي مسؤوليات كبرى تكشف مقدار الثقة التي مُنحت لها، وثقل الرؤية التي حملتها في مجال صون الذاكرة الوطنية.
ترأست الحراق لجانًا تقنية وطنية مكلفة بإنجاز مشاريع ثقافية كبرى، منها مشروع المتحف الوطني للأركيولوجيا وعلوم الأرض ، كما أشرفت على مشاريع ترميم وتثمين في مدن متعددة ، من بينها برج السعديين بمدينة العرائش والمواقع الأركيولوجية ليكسوس وشالة ووليلي. وتتقاطع هذه المشاريع مع نفس السؤال الذي رافقها منذ بداياتها: كيف يمكن للتراث أن يعيش في الحاضر دون أن يفقد روحه؟
وإلى جانب هذا الجهد الميداني، أسهمت الحراق في إعداد القانون الجديد للتراث الثقافي، واستفادت من دورات تكوينية في كل من إيطاليا واليونان ، ما مكّنها من استيعاب التجارب الدولية ومواءمتها مع خصوصيات التراث المغربي الأصيل، كما راكمت أعمالًا فكرية ومقالات وإصدارات في تدبير التراث المغربي والإيطالي،مما جعلها صوتا معرفيا لا يقل إشعاعا عن عملها الإداري.
وتشغل اليوم عضوية اللجنة الوطنية التقنية لتقييس التراث الثقافي المبني بالمغرب ، كما شاركت مؤخرا في إعداد الكاتالوج الرسمي للجنان المغربي المشارك في بينالي الهندسة المعمارية بالبندقية.أما انتخابها ممثلة للمملكة داخل المجلس الدولي لـ”إيكورم” خلال الجمع العام 34، فليس سوى اعتراف دولي بكفاءة راسخة وعطاء لا يهدأ.
هكذا تمضي ربيعة الحراق، ابنة العرائش التي حملت المدينة في قلبها وهي تعبر إلى العالم، امرأة أعادت للتراث المغربي صوته، ووضعت اسم المغرب في موقعه الذي يليق بتاريخ أجداده وإبداع أبنائه.
إنها قصة نجاح تُروى، ونموذج يبرهن أن من ينطلق من عمق الوطن قادر على بلوغ أقاصي العالم.









