آفاق الرأيمبادرات إيجابية

حين تمشي المدرسة العمومية على قدمين .. الأستاذة فاطمة الزهراء المهدون نموذجا يدرس

فاطمة الزهراء المهدون: سيرة أستاذة أعادت للمدرسة العمومية معناها

ليست فاطمة الزهراء المهدون اسما عابرا في دفتر التتويجات، ولا رقما إضافيا في لائحة الجوائز، بل هي سؤال تربوي مفتوح، وسيرة تمشي عكس التيار، ودليل حيّ على أن المدرسة العمومية لم تمت، بل كانت فقط تنتظر من يؤمن بها إلى حدّ التضحية، ويغامر باسمها في زمن صار فيه الإيمان بها فعل مقاومة.

في زمنٍ تستنزف فيه الكلمات، وتفرغ فيه الجوائز من معناها، وتختزل فيه أدوار المرأة في قوالب جاهزة، خرجت فاطمة الزهراء المهدون من الهامش ، لا لتحتل الأضواء، بل لتعيد تعريفها ، ولتؤكد أن التأثير الحقيقي لا يُقاس بعلوّ الصوت ، بل بعمق الأثر واستمراريته. لم تقدّم نفسها بوصفها “استثناءً”، بل باعتبارها ابنة طبيعية لمدرسة عمومية قادرة على الإنجاز حين تُقاد بوعي.

حين رفرف العلم المغربي في عاصمة الهند، لم يكن المشهد مجرد تتويج دولي لمعلمة مغربية، بل لحظة رمزية كثيفة الدلالة، كسرت صورة نمطية راسخة مفادها أن المدرسة العمومية عاجزة ، وأن الإبداع حكر على مؤسسات بعينها ، وأن الريادة لا تولد من الأقسام الباردة في القرى. هناك، صعدت فاطمة الزهراء المهدون منصة التتويج لتنال لقب “أفضل معلم عالمي لسنة 2023” من منظمة AKS، من بين 136 مشاركًا يمثلون أزيد من 130 دولة، ليُعزف النشيد الوطني المغربي عاليًا، لا احتفاءً بشخص فقط، بل اعترافًا بمسار.

اللافت في هذه اللحظة أن المتوَّجة تحملت نفقات سفرها من مالها الخاص، لا بحثًا عن بطولة، بل إيمانًا بأن الرسالة التربوية لا تنتظر ميزانية كي تُنجز، وأن الرهان على المدرسة العمومية لا يُؤجَّل. هناك انتهى الكلام، وبدأ المعنى.

فاطمة الزهراء المهدون، أستاذة الفلسفة بالثانوية التأهيلية ليكسوس بالعرائش منذ سنة 2016، تنحدر من مدينة وجدة، حيث حصلت على شهادة البكالوريا في العلوم الفيزيائية، قبل أن تشق مسارًا أكاديميًا متينًا جمع بين علم النفس وعلوم التربية والتعليم الرقمي. فهي حاصلة على الإجازة في علم النفس من جامعة سيدي محمد بن عبد الله بفاس سنة 2014، ماستر في علوم التربية من جامعة محمد الخامس بالرباط سنة 2019،إلى جانب ماستر مصغر من جامعة الأمم المتحدة للعلوم التطبيقية والتقنية في إدارة تدريب المؤسسات سنة 2023، فضلًا عن سلسلة من الدبلومات والشهادات الدولية في التعليم الرقمي وإعداد المدربين.

غير أن القيمة المضافة في مسارها لا تكمن فقط في الشهادات، بل في كيفية تحويل المعرفة إلى ممارسة. مشاريعها التربوية ركزت على دمج التكنولوجيا والذكاء الاصطناعي في تدريس الفلسفة، مادة يُنظر إليها عادة كحقل نظري جاف، لكنها نجحت في تحويلها إلى فضاء تفكير تفاعلي، يحفّز التلميذ على النقد، والإبداع، وربط المفاهيم الفلسفية بأسئلة العصر. هذا التوجه جعلها تحصد، إلى جانب لقب أفضل معلم عالمي 2023، ألقابًا أخرى من بينها “المعلم العربي المبدع” في السنة نفسها، وجائزة الأستاذ المبدع 2024 بدبي.

من القسم، وسّعت فاطمة الزهراء المهدون مجال اشتغالها نحو الفعل الجمعوي، دون أن تغيّر القبعة، بل وسّعت زاوية الرؤية. ترؤسها لجمعية أمهات وآباء وأولياء تلاميذ مدرسة حسن العرائشي بجماعة الساحل لم يكن موقعًا شكليًا، بل فعل قيادة واعية، أعادت من خلاله تعريف أدوار جمعيات الآباء، بعيدًا عن اختزالها في ترميم الجدران أو الحضور البروتوكولي في المجالس. في تصورها، الجمعية رافعة تغيير اجتماعي، وأداة مقاومة ناعمة في وجه الهدر المدرسي، وزواج القاصرات، وتهميش الفتاة القروية.

من هذا الوعي انبثق مشروع “أصوات رائدة من أجل مستقبل للفتاة بجماعة خميس الساحل”، مشروع لم يراهن على الشفقة، بل على التمكين، ولم يخاطب الفتاة القروية بوصفها مشكلة، بل باعتبارها طاقة كامنة. تعزيز التعليم، تنمية القيادة والريادة، ربط الفتيات بمهارات القرن الواحد والعشرين، كانت عناوين فعل يومي

جعلت المشروع يفوز بجائزة تميز المرأة المغربية في دورتها العاشرة، من بين 718 مشاركة وطنية، في تتويج غير مسبوق لجمعية أمهات وآباء التلاميذ.

إلى جانب ذلك، تشغل فاطمة الزهراء المهدون مهام جمعوية أخرى، من بينها رئاسة الفرع الجهوي للجمعية المغربية للديسليكسيا بجهة طنجة تطوان الحسيمة، والكتابة العامة للجمعية الخيرية الإسلامية الساحل، المشرفة على دار الفتاة، فضلًا عن كونها مكوِّنة لدى جمعيات وطنية ودولية، وسفيرة لعدة منصات تعليمية رقمية.

ما يجمع كل هذه المسارات المتداخلة هو خيط ناظم واحد: الأخلاق التربوية. فاطمة الزهراء المهدون لا ترفع الشعارات، ولا تشتغل بمنطق الأجندات ، ولا تستثمر في القضايا من أجل الظهور، هي امرأة مسكونة بالهم التربوي، تدرك على أن الاستثمار الحقيقي ليس في عدد المشاريع، بل في الإنسان، وأن التغيير لا يبدأ من المركز، بل من الهامش حين يقرر أن يفهم نفسه، وأن يخدم الوطن بصمت واستمرارية، لأن الأثر البعيد أصدق من التصفيق القريب.

لهذا، لا يبدو القول إن فاطمة الزهراء المهدون تستحق أن تُصنّف ضمن أفضل الشخصيات التربوية لسنة 2025 مجرد رأي عاطفي أو مجاملة عابرة، بل خلاصة منطقية لمسار يجمع بين القسم، والبحث، والعمل الجمعوي، والبعد الإنساني العميق للتربية. هي ليست حالة فردية معزولة، بل علامة دالّة، ونموذج يُدرَّس لما يمكن أن تكون عليه المدرسة العمومية حين تقودها إرادة واعية، ورؤية شجاعة، وضمير حيّ.

هي امرأة اختارت أن تكون حيث يجب أن تكون: في القسم، وفي الجمعية، وفي قلب المعركة النبيلة من أجل تعليم عادل، ومدرسة عمومية تستحق اسمها. وهذا، في جوهره، ليس مجرد مقال، بل شهادة تقدير بحبر الوعي، واعتراف مستحق بقيمة تربوية صنعت الفرق، وتستحق أن يُكتب اسمها في ذاكرة هذا الوطن.

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

زر الذهاب إلى الأعلى