
جمعية روح الفن تحتفي بقامة ثقافية : الدكتور محمد مرزاق نموذجا
الدكتور محمد مرزاق .. أثرٌ ثقافي لا يزول حين يغدو الإبداع أسلوب حياة

في مساء مشبع بالمعنى، ومحمول على نبرة وفاء نادرة، احتضن المعهد الموسيقي بمدينة العرائش، مساء السبت 20 دجنبر 2025، أمسية ثقافية فنية استثنائية ، نظمتها جمعية روح الفن للتنمية والإبداع بالعرائش بتنسيق مع المركز الثقافي بالمدينة،احتفاء باليوم العالمي للغة العربية تحت شعار:”إن الذي ملأ اللغات محاسنا ..جعل الجمال وسره في الضاد“.

وقد خصص هذا الحدث المميز لتكريم الدكتور محمد مرزاق ،أحد الأسماء التي صنعت حضورها بهدوء وصدق وإخلاص، وراكمت أثرها بالأخلاق والإنسانية ، وظلت وفية لفكرة الثقافة بوصفها فعلا إنسانيا قبل أن تكون صفة أو لقبا.

انطلقت الأمسية تحت إشراف وتنشيط كل من المتألقين وليد بورباع وإشراق أخريف ، لتفتح أبواب الثقافة و الفن و الشعر والموسيقى أمام الحضور الوازن ، بينما فتحت الجمعية بقراءة أية قرأنية من الذكر الحكيم ، لتتبعها كلمة رئيس الجمعية، الأستاذ إبراهيم الأبيض، رجل اختار أن يجعل من الثقافة خدمة ، ومن الفن رسالة، ومن العمل الجمعوي التزاما مستمرا.

جاءت كلمة الكاتب العام للجمعية ، الأستاذ محمد عاطف، صوت التنظيم وعقل التنسيق، الذي يسهر على أن تتحول الأفكار إلى أفعال، وأن تظل الجمعية وفية لأهدافها، لتختتم فقرات الافتتاح بكلمة مسؤولة الشباب، الشابة المتألقة كوثر الديلال، التي حملت على عاتقها مهمة بث روح المبادرة في صفوف الشباب.

وانتقل الحفل إلى فقرة التكريم،فاستعيد المسار العلمي والتربوي للدكتورمحمد مرزاق من خلال شريط يوثق رحلة العطاء، من القسم إلى الجامعة، ومن الدرس إلى الأثر، بإعداد متقن من الشابة المميزة يسرى اسعوط، لتتبعها شهادات حية من تلامذته وزملائه ، كلمات صادقة لم تبحث عن البلاغة، لأن الصدق أبلغ من كل تعبير، ففي لحظة الاحتفاء تصبح الكلمة شهادة، ويكون الوفاء موقفا يتجاوز الكلمات.

توالت الشهادات في حق الأستاذ المحتفى به، من أساتذة ومبدعين التقوا معه في الفكر والمسار الثقافي وخدمة اللغة العربية ، بدءًا بالدكتور محمد الوردي، الأكاديمي والباحث الذي حمل الكلمة من داخل الجامعة،

مرورا بالأستاذ عبد الحميد الباز، مدير الثانوية التأهيلية سابقا، وصولا إلى شهادة من نوع خاص جاءت من قلب البيت، من عمق المعايشة، كلمة زوجته الأستاذة أنيسة البحر، التي اختصرت مسارا إنسانيا وعلميا عاشه المكرم .

ثم انتقل الحفل إلى الشهادات الشعرية، حيث ناطت القصيدة عن المشاعر ، وقدمت الدكتورة فاطمة مرغيش نصا راقيا أستاذنا الجليل المصطفى سكم الذي تعذر عليه الحضور.

أعقبتها الأستاذة الشاعرة زهرة أحمد بولحية، الملقبة بحمامة الشعر، بصوت دافئ يلمس الروح،

قبل أن يقدم الشاعر العرائشي مصطفى اجديعة قراءاته الشعرية الخاصة، لتتداخل الكلمة مع النغم في لحظة انسجام فني رائع .. / خذ نفسا .. واستلق خلف الظلال.. سربا من أنغام .. وارم بعزفك.. سحر سنفونية .. تهمس للندى شرودا .. وغفوة أحلام .. مذ كنت .. ووجع الناي قصيدة .. صول أنت .. مقام .

وأضفى الأستاذ والفنان محمد المصباحي عزفا موسيقيا على ألة الكمال ، أبدع فيها ،لتكون إضافة روحانية على الأمسية ، قبل أن يصعد المحتفى به، الدكتور محمد مرزاق ، ويلقى كلمة كلها محبة وإنسانية،ثم عزف لحنا موسيقيا صامتا على ألة الساكسفون ،وشارك المغني الأصيل الشاب إبراهيم الأبيض في أداء أغنيةكلها إحساس ، بصوت الكبار، واختتمت الفقرة الفنية الرائعة بمشاركة الشاعرة الشابة المتألقة فاطمة الزهراء صديقي بقصائد شعرية مميزة.

الدكتور عبد الإله الكريبص الذي تجمعه صداقة مع المحتفى به منذ أزيذ من ثلاثين سنة تقريبا ، عملا وأخوة وصداقة ، هذا الحفل لم يكن مناسبة احتفالية عابرة فقط بنسبة لنا ، بل لحظة اعتراف جماعي بقيمة مسار غني ومتشعب، مسار اختار فيه أخونا وصديقنا الدكتور محمد مرزاق أن يسلك دروب المعرفة والفن معا،

وأن يجعل من التعدد الإبداعي فضاء للانسجام لا للتناقض ، فهو الأستاذ الذي ظل وفيا لرسالته التربوية، والباحث الذي شق طريقه الأكاديمي بثبات، والناقد الذي أنصت للنصوص بوعي منهجي ، والشاعر الذي منح اللغة حسها الوجداني، والموسيقي الذي جعل من النغمة امتدادا طبيعيا للفكرة.

محمد مرزاق حصل على شهادة الماجستير وناقش أطروحته لنيل شهادة الدكتوراه سنة 2024 في موضوع البلاغة بين الجمالي والتداولي، أصدر سنة 2014 كتابه اللافت «تفاعل أجناس الخطاب: رسالة الغفران أنموذجًا»، ويتهيأ لإصدار روايته الجديدة «زمن الخصي»، إلى جانب نصوص نقدية وأدبية متعددة، تؤكد انحيازه الدائم للقراءة المتأنية وللجمع بين الصرامة العلمية وحسّ الإبداع.

وبإنسانيته الهادئة ومحبة بلا حدود للناس التي تسبقه قبل حضوره، ظل محمد مرزاق رجل المواقف قبل أن يكون رجل الألقاب، ورجل الحلول حتى حين تكون على حسابه الشخصي ، لم يتعامل يوما مع الثقافة بوصفها ترفا، بل جعل منها فعل مسؤولية، وحضورا أخلاقيا، وانحيازا صادقا للناس وقضاياهم. صاحب إرادة صلبة وعزيمة لا تلين، واجه أحد أخبث الأمراض بإيمان وعلاج وصبر، وانتصر عليه دون ضجيج، ليعود أكثر قربا من الحياة وأكثر التصاقا بالإنسان.

واليوم، يحضر بين الناس كما كان دائمًا، في التظاهرات الفنية والثقافية والأدبية والإنسانية، شاهدًا على أن القوة الحقيقية لا تُقاس بالصوت العالي، بل بالقدرة على الاستمرار، والعطاء، وتحويل الألم إلى معنى، والتجربة إلى طاقة أمل مشتركة.

واختتمت الأمسية بتسليم درع التكريم والهدايا الرمزية، عربون امتنان وتقدير، اختزل حضور الجمعية والحاضرين في تقدير صادق لمسار الدكتورمحمد مرزاق، قدّمه له رئيس الجمعيةإبراهيم الأبيض والسيد الكاتب العام للجمعيةمحمد عاطف ، ليبقى هذا الحدث لحظة خالدة في سجل العطاء الثقافي والفني للعرائش، وتجسيدا حيا لما يمكن أن تكون عليه المدينة حين تحتفي بأبنائها المخلصين للعلم والفن والإنسانية.










