آفاق الرأي

حين يتحول الامتحان إلى معاناة جماعية

بقلم:ذ . رضوان الغازي .. حين يتحول الامتحان إلى معاناة جماعية

الخميس 29يناير 2026

لم تعد الامتحانات في بعض محطاتها التربوية أداة للتقويم والإنصاف، بل تحولت – للأسف – إلى مصدر ضغط نفسي واستنزاف زمني لكل مكونات المنظومة التعليمية، من تلميذ وأستاذ وأسرة، في مشهد يطرح أكثر من علامة استفهام حول منطق التدبير ونجاعة القرار.
ففي يوم الإثنين 19 يناير 2026، تم تأجيل الامتحان الموحد بسبب تزامنه مع مباراة نهائي كأس إفريقيا، في سابقة تطرح سؤال ترتيب الأولويات داخل الزمن المدرسي.
ثم جاء الثلاثاء 20 يناير، حيث أُجريت صباحًا الامتحانات الموحدة لمواد اللغة العربية، واللغة الفرنسية الرائدة، والتربية الإسلامية، والاجتماعيات، قبل أن يعلن مساء عن إلغاء امتحان مادة الرياضيات بسبب تسريبات مجهولة الغالية والمصدر …
ولم يتوقف الارتباك عند هذا الحد، إذ شهد الأربعاء 21 يناير تمرير امتحاني النشاط العلمي والأمازيغية صباحا، ليفاجأ الجميع مساء بقرار إلغاء اختبارات المواد الصريحة، مع برمجة إعادتها بعد العطلة، في حلقة جديدة من القرارات المرتجلة التي عمقت الإحساس باللايقين.
إن أولى ضحايا هذا الوضع هو التلميذ، الذي وجد نفسه محروما من عطلة يستحقها، ومطالبا بالاستعداد المتكرر لاجتياز امتحانات تلغى ثم تعاد، في ضرب واضح لاستقراره النفسي والدراسي. ويأتي بعده الأستاذ، الذي أُرغم على التصحيح في ظروف استثنائية، قبل العطلة وأثناءها وبعدها، ليفاجأ بإلغاء نتائج جهد بذل فيه وقتا وطاقة وتضحية بالراحة الأسرية. أما الأسر، فقد وضعت في قلب متاهة من القلق والتخبط، عاجزة عن فهم ما يجري أو التكيف معه.
الأكثر إرباكا في هذا المشهد هو تعميم الإلغاء، رغم أن الحديث – وفق ما تم تداوله – كان عن تسريب يخص مادة واحدة فقط، هي الرياضيات. فلماذا يعاقب الجميع؟ ولماذا لا تعتمد نتائج المواد التي لم يثبت في شأنها أي خلل؟ أليس في ذلك مساس بمبدأ تكافؤ الفرص، وضرب لمصداقية التقويم؟
ويزداد السؤال إلحاحا أمام صمت جمعيات أمهات وآباء التلاميذ، التي كان يُفترض أن تلعب دور الوسيط والمدافع عن مصلحة المتعلمين، لا أن تقف موقف المتفرج في لحظة تستدعي الترافع والمسؤولية.
إن مدرسة “ ذات جودة للجميع” لا يمكن أن تُبنى على قرارات مرتبكة تميز بين تلاميذ المؤسسات، حيث ينعم غير الرائدة والخصوصي بإعلان النتائج والاستقرار، بينما يترك “الرواد” في انتظار لا معلوم نهايته. فالجودة ليست شعارا، بل عدالة في القرار، واحترام للزمن المدرسي، وتقدير لجهد المتعلم والأستاذ معا.
إن ما حدث ليس مجرد خلل عابر، بل مؤشر على حاجة ملحة إلى مراجعة طرق تدبير الامتحانات، ووضع آليات استباقية لمحاربة التسريب دون التضحية بحقوق الأبرياء، لأن الخاسر الأكبر في النهاية هو الزمن المدرسي، والثقة في المدرسة العمومية.
فالامتحان ينبغي أن يكون محطة للإنصاف والتقويم، لا مناسبة لتكريس الإحباط الجماعي، وهدر الجهد، وتعميق الفجوة بين الشعار والممارسة.

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

زر الذهاب إلى الأعلى