
ندوة العرائش حول مالية 2026 : رهانات الدولة الاجتماعية على محك التحولات الكبرى
الإثنين 13 أبريل 2026
ندوة العرائش تفكك شفرة مالية 2026 .. نقاش أكاديمي يرسم ملامح المغرب الصاعد
في سياق دينامية علمية متجددة تعرفها جامعة عبد المالك السعدي، وبحرص متواصل على مدّ جسور التواصل بين المعرفة الأكاديمية وقضايا الواقع، احتضنت الكلية المتعددة التخصصات بالعرائش، يوم الاثنين 13 أبريل 2026، ندوة وطنية رفيعة المستوى ضمن فعاليات النسخة الحادية عشرة للقاءات التواصلية لقانون المالية، بمبادرة من منتدى الباحثين بوزارة الاقتصاد والمالية، وبشراكة مع شعبة القانون. وقد نُظمت هذه التظاهرة العلمية تحت شعار دال ومحفّز: “قوانين المالية: أي رهانات لترسيخ مسيرة المغرب الصاعد؟”، في تعبير واضح عن انشغال أكاديمي وعملي متزايد بمكانة قانون المالية كرافعة استراتيجية لتوجيه السياسات العمومية وتحقيق التوازن بين متطلبات النمو الاقتصادي والعدالة الاجتماعية.
تأتي هذه الندوة في سياق وطني يتسم بتحولات اقتصادية ومؤسساتية متسارعة، تفرض إعادة التفكير في أدوار المالية العمومية، خاصة في ظل التقلبات الدولية، وتزايد الضغط الاجتماعي، والحاجة الملحة إلى تحفيز الاستثمار المنتج، وهو ما يعزز الطرح القائل بضرورة تجاوز النظرة التقليدية لقانون المالية باعتباره مجرد وثيقة محاسباتية نحو اعتباره أداة للتخطيط الاستراتيجي وصياغة السياسات العمومية.
وقد استهلت أشغال الندوة بجلسة افتتاحية عرفت حضور مسؤولين وأكاديميين، من بينهم عميد الكلية السيد محسن بناني امشيطة، والخازن الجهوي بطنجة محمد رضوان البكدوري الأشقري، إلى جانب الدكتور عبد الواحد الخمال، رئيس شعبة القانون، والدكتور عثمان مودن، رئيس منتدى الباحثين، حيث أجمع المتدخلون على الدور المحوري للقوانين المالية في توجيه التنمية وترسيخ أسس الدولة الاجتماعية.
وتوزعت أشغال الندوة على جلستين علميتين عالجتا قضايا استراتيجية مرتبطة بقانون مالية 2026 وفتحتا نقاشاً معمقاً بين مختلف المتدخلين. ففي الجلسة العلمية الأولى، التي ترأسها الدكتور عبد الجبار المراكشي، قُدمت مداخلات علمية وازنة، حيث تناول الدكتور فريد الحفيظي رفقة الباحث محمد مهرير موضوع التأطير التشريعي لتحفيز الاستثمار، مبرزين دور النصوص القانونية في تحسين مناخ الأعمال .
فيما قدم الدكتور عاصم وكيلي عسراوي قراءة تحليلية للاختيارات الاقتصادية الكفيلة بترسيخ مسار المغرب الصاعد، بينما ناقش الدكتور أنوار الأشقم إشكالية تدبير مخاطر الكوارث الطبيعية مستحضراً نموذج فيضانات الغرب واللوكوس، وتطرق الدكتور مراد عبسات إلى اختلالات منهجية الأداء في قطاع الصحة في ظل ورش تعميم الحماية الاجتماعية، في حين قدمت الدكتورة خولة كني والدكتورة مريم انفيسي مداخلة مشتركة حول تأثير السياقات الجيوسياسية الدولية على فرضيات قانون المالية لسنة 2026.
وقد همّت هذه الجلسة قضايا محورية، من بينها تحفيز الاستثمار، والاختيارات الاقتصادية الكبرى، وتدبير المخاطر المناخية، وإصلاح القطاع الصحي، إضافة إلى تأثير التحولات الدولية على إعداد الميزانية.
أما الجلسة العلمية الثانية، التي ترأسها الدكتور خليل اللواح، فقد سلطت الضوء على قضايا جبائية وتمويلية دقيقة، وشهدت بدورها مداخلات نوعية، حيث ناقش الدكتور عبد الواحد الخمال والدكتور أحمد نقوب النظام الجبائي لتمويل ورش الحماية الاجتماعية، مؤكدين ضرورة تحقيق التوازن بين العدالة الجبائية والاستدامة المالية، وتطرقت الدكتورة نجلاء الكساكس إلى إكراهات تنفيذ الاستثمار العمومي بين الطموح والأرقام، وأبرزت الدكتورة فاطمة عبد النعيم تحديات الاستدامة المالية في ظل تزايد الحاجيات التمويلية، وقدم الدكتور ياسين السنوني والدكتور أيوب الصافي قراءة في المستجدات الجمركية لقانون مالية 2026، فيما استعرض الدكتور ياسين افحيلي أبرز المستجدات الضريبية وتوجهات توسيع الوعاء الجبائي، وناقش الدكتور عثمان مودن والدكتور زين الدين عبد المغيث الجباية المرتبطة بالقطاع الرياضي في ظل التحولات الاقتصادية، بينما سلط الدكتور وديع الجوهري الضوء على التبليغ الإلكتروني في المادة الضريبية ودور الرقمنة في تحديث الإدارة.
وقد تمحورت هذه الجلسة حول قضايا تمويل الدولة الاجتماعية، والاستثمار العمومي، والإصلاح الجبائي، وتحديث الإدارة الضريبية، وآفاق القطاعات الاقتصادية الصاعدة.
وتميزت الندوة بمشاركة نخبة من الأساتذة الجامعيين والخبراء والباحثين، إلى جانب انخراط قوي لطلبة سلكي الماستر والدكتوراه، سواء في التنظيم أو في إعداد تقارير وتوصيات الندوة، ما يعكس نجاح المقاربة التشاركية في التكوين والتأطير، كما ساهمت لجنة علمية موسعة في ضمان جودة المداخلات وتوجيه النقاش نحو مخرجات عملية قابلة للتنزيل، وذلك تحت إشراف وتنسيق الدكتورين عثمان مودن وهشام الشعيري، في تجسيد واضح للتكامل بين الخبرة الميدانية والتأطير الأكاديمي.
ويعكس اختيار مدينة العرائش لاحتضان هذه التظاهرة المكانة المتنامية التي أصبحت تحتلها كفضاء للنقاش العلمي والثقافي، ودور مؤسساتها الجامعية في الانخراط في قضايا التنمية المحلية والوطنية وربط البحث الأكاديمي بإشكالات الواقع.
وقد خلصت أشغال الندوة إلى التأكيد على أن قانون مالية 2026 يشكل محطة مفصلية في مسار بناء الدولة الاجتماعية، من خلال تعزيز الحكامة المالية وربط المسؤولية بالمحاسبة، ودعم الاستثمار وتحفيز القطاعات المنتجة، وتوسيع الوعاء الضريبي بشكل عادل، وتسريع وتيرة الرقمنة وتحسين جودة الخدمات العمومية، مع التشديد على أهمية استمرار مثل هذه المبادرات العلمية في ترسيخ ثقافة النقاش العمومي المسؤول وإشراك الجامعة في بلورة السياسات العمومية.
وتُجسد هذه الندوة الوطنية المنظمة بالعرائش نموذجاً ناجحاً للتكامل بين الجامعة والإدارة وصناع القرار، بما يعزز موقع جامعة عبد المالك السعدي كفاعل أساسي في مواكبة التحولات الكبرى التي يشهدها المغرب، ويؤكد أن الرهان الحقيقي لا يكمن فقط في إعداد قانون مالي متوازن، بل في قدرته على الاستجابة لتطلعات المواطنين وبناء مغرب صاعد، قوي باقتصاده، وعادل بسياساته الاجتماعية، في أفق ترسيخ نموذج تنموي أكثر شمولاً واستدامة.










