آفاق الرأيمبادرات إيجابية

الذكرى 04 لرحيل قامة الفكر والكلمة حسن الطريبق .. ذاكرة لا تموت

موقع الأحد 19 أبريل 2026 ..cherradi abou nadaسيرة تكتبها الذاكرة ولا يمحوها الموت : الذكرى 04 لرحيل المثقف الملتزم حسن الطريبق .. صوت الكلمة الحرة في مثل هذا اليوم من الذاكرة، لا يكون الاستحضار مجرد عودة إلى سيرة رجل، بل هو استدعاء لزمنٍ كامل، لروح مدينة، ولصوت آثر أن يظل حيا في الكلمة ، حتى بعد أن غيبه الرحيل.في 20 أبريل 2026، تقف الجريدة الإلكترونية “موقع آفاق 24“، ومعها مدينة العرائش، وعشاق الفكر والأدب في المغرب والعالم العربي، عند تخوم الوفاء، لتستحضر قامة استثنائية لم تكن عابرة في المشهد الثقافي، بل كانت أحد أعمدته الراسخة.
إنه الشاعر والناقد والصحافي المغربي حسن الطريبق، الذي منح للكلمة معناها، وللموقف صدقه، وبصم حضوره في الثقافة والفكر بحبر لا يمحوه الغياب.
مهما خطت الأقلام وتدفقت الكلمات، سيظل العطاء الذي خلفه المرحوم برحمة الله أكبر من أن يختزل في حروف.
لم يغب، بل تحول إلى أثرٍ حي يسكن ذاكرتنا، وإلى نبض مستمر في تفاصيل حياتنا، يذكرنا بأن العطاء الصادق لا يرحل، بل يخلد أصحابه في القلوب قبل السطور.لقد كان حسن الطريبق رجلا استثنائيا بكل المقاييس، واحدا من أبرز المثقفين الموسوعيين في المغرب، ممن بصموا المشهد الثقافي والسياسي بحضور وازن وكلمة ملتزمة،04 سنوات مرت على الغياب، لكن أثره لا يزال حيا في الذاكرة الجماعية، من خلال أعماله الأدبية ومواقفه النضالية، التي جعلت منه أحد رموز الثقافة المغربية المعاصرة.ويبقى الراحل ، صاحب القامة الثقافية المتعددة المشارب، صوت العرائش الذي كتب الشعر والتاريخ وناضل بالكلمة.
نعم، يظل اسمه حاضرا كأحد أبرز الوجوه الثقافية والسياسية التي طبعت مرحلة ما بعد الاستقلال، مثقفا موسوعيا بما راكمه من إبداع شعري ونقدي، وما جسده من التزام فكري ونضالي صادق في ذاكرة مدينة العرائش وإقليمها.فقد كان شاعرا، ناقدا، صحافيا وسياسيا، جمع بين الكلمة الحرة والموقف الجريء، وترك بصمة واضحة في الأدب المغربي والعربي المعاصر، كما يعد من رواد الشعر المسرحي في المغرب، وهو ما يمنح تجربته طابعا رياديا مميزا.ومن هذا المنطلق، تكتسب سيرته العلمية أهميتها ، إذ ولد سنة 1938 بمدينة القصر الكبير، حيث تلقى تعليمه الأولي بالمعهد الديني، قبل أن ينتقل إلى العرائش لمواصلة دراسته، ثم إلى تطوان في المرحلة الثانوية، ليستقر بعدها بمدينة فاس حيث تابع دراسته الجامعية، محصلا على الإجازة في الأدب العربي، ثم دبلوم الدراسات العليا سنة 1980 ، ولم يقف عند هذا الحد، بل واصل مساره العلمي إلى أن نال الدكتوراه في الأدب العربي سنة 1991 من كلية الآداب بالرباط، تحت إشراف الأستاذ عباس الجراري، في مسار يعكس عمق تكوينه وصلابة مشروعه الفكري.وبالانتقال من التكوين إلى الممارسة، اختار حسن الطريبق منذ أواخر خمسينيات القرن الماضي الاستقرار بمدينة العرائش، التي لم تكن مجرد مكان إقامة، بل تحولت إلى فضاء للانتماء والإبداع. هناك أسس أسرته، واشتغل أستاذا بالمعهد الديني ثم بثانوية مولاي عبد الله، قبل أن ينفتح على التدريس الجامعي في مدن أخرى، غير أنه ظل وفيا للعرائش، رافضا مغادرتها رغم تعدد الفرص، في تعبير صادق عن علاقة وجدانية عميقة.وتأسيسا على هذا الارتباط، لم يكن غريبا أن تتحول العرائش إلى محور أساسي في كتاباته، حيث نظم أشعارا بالعربية والإسبانية احتفاء بها،مجسدا تفاصيلها الإنسانية والتاريخية، كما مثلها سياسيا داخل البرلمان، وشغل منصب النائب الأول لرئيس المجلس البلدي، إلى جانب مساهمته في تدبير غرفة الصناعة والتجارة، في امتداد طبيعي لالتزامه المحلي.وفي السياق ذاته، برز حضوره في المجال الصحافي، حيث اشتغل مراسلا لجريدة “العلم”، وكتب مقالات جريئة كشفت اختلالات وفضحت ممارسات بعض رجال السلطة، وهو ما عرضه للاعتقال صيف سنة 1971 لمدة ثلاثة أشهر، قبل أن يفرج عنه بعد تدخل الزعيم علال الفاسي لدى الملك الحسن الثاني، في واقعة تختزل ثمن الكلمة الحرة في تلك المرحلة.ومن زاوية أخرى، وثق هذه التجربة في مذكراته “مذكرات سجين” الصادرة سنة 2022، والتي تشكل شهادة حية على مرحلة دقيقة من تاريخ المغرب، وتعكس تداخل المسار الأدبي بالنضال السياسي في حياته.
وبموازاة ذلك، واصل الراحل إنتاجه الأدبي الغزير، حيث خلف أكثر من عشرين مؤلفا في الشعر والنقد والمسرح الشعري، من بينها: “تأملات في تيه الوحدة”، “ما بعد التيه”، “أكافيف”، “من بقايا الألفاف”، “تمتمات اللظى”، و”في عصف الهذيان”، إضافة إلى ديوانه بالإسبانية “El eco de la huella”، وهو إنتاج يعكس تنوعا لغويا وثراء فكريا لافتا.وفي امتداد لهذا العطاء، برز في مجال المسرح الشعري من خلال أعمال مثل: “وادي المخازن”، “بين الأمواج والقراصنة”، “مأساة المعتمد”، “كسيلة”، “الساعدان”، “أنوال”، و”العقبة والنار”، وهي نصوص مزجت بين التاريخ والدراما بلغة شعرية عالية.ولم يقتصر حضوره على الكتابة، بل تجاوزه إلى الفعل الثقافي، حيث ساهم منذ شبابه في تأسيس مجلات ثقافية مثل: “العروة الوثقى”، “المناهل”، و”دعوة الحق“، كما كان رئيسا شرفيا لعدة جمعيات، من بينها جمعية بيت المبدع، مما جعله أحد أعمدة المشهد الثقافي بمدينة العرائش.وبناء على ما سبق، فإن أثر حسن الطريبق ظل ممتدا لأكثر من ستين سنة من العطاء داخل المدينة التي أحبها، وهو ما ترجم في مبادرات تكريمية، من بينها إطلاق اسمه على الدورة الثانية لمعرض الكتاب بالعرائش، بحضور عائلته، في اعتراف رمزي بمكانته، مع دعوات متواصلة لإطلاق اسمه على أحد شوارع المدينة أو فضاءاتها الثقافية.وفي ختام هذا المسار الحافل، توفي الشاعر يوم 20 أبريل 2022 بإحدى المصحات بمدينة طنجة، في رحيل خلف حزنا عميقا في صفوف أسرته ومحبيه وعشاق الأدب في المغرب والعالم العربي، وكذا في أوساط رفاقه في العمل السياسي، وقد انطلقت جنازته من مقر إقامته في اتجاه مسجد “رقادة”، حيث أُديت صلاة الجنازة بعد صلاة العصر، قبل أن يوارى الثرى بمقبرة “رقادة” وسط حضور غفير من المشيعين الذين جاؤوا من عدة مدن مغربية لتوديعه إلى مثواه الأخير.وقد عكست هذه الجنازة المهيبة حجم المكانة التي حظي بها الراحل، حيث حضرها أصدقاء وزملاء من عالم الفكر والسياسة، إلى جانب مناضلين من حزب الاستقلال الذي ظل وفيًا له، وفعاليات من مشارب مختلفة، في مشهد امتزجت فيه مشاعر الحزن بالوفاء.
كما بدت الحسرة عميقة في صفوف من عرفوا الراحل عن قرب، سواء كأستاذ أو صديق أو مناضل، وهو ما يؤكد أن رحيله لم يكن فقدان اسم ثقافي فحسب، بل غياب إنسان بصم وجدان كل من التقاه.وهكذا، إذا كان الرحيل قد غيب الجسد، فإن حسن الطريبق لم يغادر، بقي أثرا يتنفس في الكلمة، وبقي حضورا يقاوم النسيان، وبقي شاهدا على أن الكلمة حين تكون صادقة، فإنها لا تموت، بل تتحول إلى خلود ،ليظل حيا، شاهدا على تجربة رجل آمن بالكلمة، وانحاز للحقيقة، وجعل من العرائش قصيدته التي لا تنتهي.وفي شهادة إنسانية نابضة بالصدق والوفاء،يستحضرالمخرج السينمائي محمد الشريف الطريبق  في “وشم الخلود : شهادات الذكرى” ملامح قريبة وحميمية من شخصية الراحل حسن الطريبق، لا بوصفه اسما ثقافيا فحسب، بل كإنسانٍ ترك أثره العميق في محيطه وذاكرة من عرفوه.
من خلال هذه الشهادة، تنفتح أمامنا صورة مثقف استثنائي، كان بيته فضاء رحبا للمعرفة، وحضوره مدرسة قائمة بذاتها، حيث تتحول الكلمة إلى تجربة حية، واللغة إلى كائن ينبض بالمعنى.كما تكشف هذه الذاكرة عن وجه إنساني أصيل، لرجلٍ لم يفصل يوما بين الثقافة والحياة، بل جعلهما امتدادا واحدا، فظل قريبا من الناس، حاضرا في تفاصيلهم، لا يتردد في مد يد العون، ولا يتأخر عن أداء واجبه الإنساني.
إنها شهادة تختزل مسارا حافلا، وتؤكد أن حسن الطريبق لم يكن مجرد مثقف عابر، بل أثر باق ،ووشم في الذاكرة لا يزول.
وفي بيت حسن الطريبق، لم تكن الكتب مجرد رفوف ،بل كانت عوالم مفتوحة، ومختبرا حيا لصناعة المثقف، حيث تتحول القراءة إلى قدر، والمعرفة إلى التزام.كان الجلوس في حضرته أشبه بالسفر في الحلم والخيال، حيث يتسع الأفق، وتعاد صياغة الأسئلة الأولى عن المعنى والاختيار.لقد كان موسوعة شعرية متحركة، يستحضر الشعر من الجاهلي إلى المعاصر، وكأن اللغة بين يديه كائن حي، ينبض بالمعنى في كل مقام. لم يكن يستعين بورقة، كانت كلماته ارتجالا متدفقا، صارما في منهجه، آسرا في بيانه، يأخذك بعيدا حيث تمتزج المتعة بالمعرفة.ومعه، يكتشف المرء أن اللغة ليست متخلفة عن زمانها، بل نحن من نبتعد عنها، وأن التمكن منها كفيل بأن يعيد لها الحياة، ويقربها من عصرها.
لم يكن حضوره مقتصرا على الفكر والإبداع، بل امتد إلى الناس، إلى تفاصيل حياتهم اليومية،إذ كان عنوانا للثقة، وملاذا لكل من ضاقت به السبل، لا يتأخر عن طالب الإغاثة، ولا يتردد في طرق كل الأبواب الممكنة.وعلى امتداد أكثر من ستين سنة من العطاء، ظل أثره ممتدا في المدينة التي أحبها، وهو ما ترجم في مبادرات تكريمية، اعترافا بمكانته في الذاكرة الجماعية. “وشم الخلود: شهادات للذكرى للمخرج السينمائي محمد الشريف الطريبق”.وفي حضرة الأسماء التي لا يطالها الغياب، يصبح الكلام وفاءً قبل أن يكون استعادة. ومن هذا المعنى، نستحضر الدكتور حسن الطريبق، لا كذكرى عابرة، بل كأثر ثقافي حي، تقرؤه الأجيال في الفكر والإبداع. ومن هنا، تأتي هذه الشهادة للدكتور عبد الإله الكريبص، مفتش بالسلك الثانوي التأهيلي،باحث في اللغة والأدب، وفاءً لذاكرة لا تنطفئ.بداية أتوجه بجزيل الشكر وعظيم الامتنان إلى موقع آفاق 24، أولا على الثقة، ثانيا على هذا الحضور في المشهد الإعلامي وتكريس ثقافة الاعتراف ورد جزء من الدين لأبناء هذه المدينة الذين بذلوا جهدا ثمينا من أجل الرقي بها في مختلف المجالات وخاصة المجال الثقافي.الحديث عن المرحوم الدكتور حسن الطريبق هو حديث عن أحد أعلام الثقافة المغربية المعاصرة الذي لا يمكن إغفال اسمه عند الخوض في المشهد الثقافي المغربي والعربي المعاصر. عرفته مدينة العرائش مناضلا سياسيا في حزب الاستقلال، وبرلمانيا مترافعا عن اللغة العربية بجرأة ووضوح، وإنسانا متواصلا معطاء خدوما لكل من قصده.
ويمكننا الحديث عن المرحوم من زاويتين متكاملتين:
الزاوية الأولى هي زاوية الأستاذ الباحث الذي يغني النقاش الأكاديمي بأفكاره وتصوراته في مجال النقد الأدبي وأصول الشعر المعاصر وخصائصه الجمالية والمعرفية. وقد تعرفنا إليه عن قرب بمدرجات كلية الآداب والعلوم الإنسانية بتطوان حيث كنا ندرس على يديه مادة الشعر المعاصر وكنا نجمع يومها على تمكن الرجل من مادته المعرفية وجمال لغته التي مكنته من أن ينحت اسمه ضمن كبار النقاد، وما زلنا نذكر كيف كانت مناقشته لأطروحة الدكتوراه حدثا ثقافيا احتفت به المنابر الإعلامية.
الزاوية الثانية هي زاوية الشاعر المبدع ضمن رؤيا حداثية متفردة جسدتها دواوينه المتعددة. وقد أهداني ذات يوم ديوانين شعريين من دواوينه، ما زلت أحتفظ بهما، هما ديوان “ما بعد التيه” الصادر عن مطبعة كريماديس سنة 1974، وديوان “تأملات في تيه الوحدة” الصادر بمدينة تطوان، وقد شكلا معا جزءا من المتون الشعرية التي اشتغلتُ عليها في أطروحتي الجامعية، خاصة فيما يتعلق بعناصر الغموض الشعري ومصادره.
المرحوم حسن الطريبق اسم يحق لإقليم العرائش أن يفخر به، كما يحق للثقافة المغربية أن تفخر به لما قدمه لها من عطاء وحضور تخلده كتاباته النقدية وإبداعاته الشعرية. وفي الذكرى الرابعة لرحيله نجدد له دعواتنا بالرحمة والمغفرة وأن يتقبله الله قبولا حسنا.وفي ختام هذا المسار، يقدم الأستاذ عبد الحميد بربري، الباحث في التاريخ المحلي والوطني ومؤلف كتاب “لالة منانة المصباحية، دفينة العرائش”، شهادة إنسانية صادقة في حق الراحل حسن الطريبق، حيث يؤكد أن الدافع إلى استحضار اسمه اليوم لا يرتبط فقط بواجب التذكر، بل بإيمان عميق بأن الكبار حين يرحلون لا يغادرون وحدهم، بل يخلفون وراءهم فراغا بحجم حضورهم، وأثرا يلامس معنى الخلود.ويضيف أن استعادة ذكرى 20 أبريل لا تعني الوقوف عند حدود سيرة رجل، بل هي استحضار لزمنٍ كانت فيه الكلمة موقفا، وكانت الثقافة التزاما قبل أن تكون إنتاجا. فحسن الطريبق، في نظره، لم يكن مجرد اسم في سجل الثقافة المغربية، بل ذاكرة حيّة وصوتا ظل يقاوم الصمت حتى بعد الرحيل، مؤكدا أن الكلمة الصادقة لا تموت، بل تخلد أصحابها عبر الزمن.ويستحضر الأستاذ عبد الحميد بربري، في هذا السياق، دليلا حيا على هذا الخلود، متمثلا في قصيدة “أنشودة العرائش” التي ألقاها الشاعر الأستاذ حسن الطريبق خلال أسبوع العرائش بتاريخ 02 يوليوز 1968، والتي ما تزال شاهدة على عمق ارتباطه بالمدينة، وعلى قدرته في تحويل المكان إلى قصيدة، والذاكرة إلى نشيد لا يخبو صداه.أنشودة العرائش.ملاحظة هامشية كما وردت في النص:
أُلقيت هذه القصيدة في أسبوع العرائش، أنشدها الشاعر الأستاذ حسن الطريبق في 1968/07/02

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

زر الذهاب إلى الأعلى