
الرياضيون الاستقلاليون نحو إقلاع رياضي شامل بالعرائش
الأربعاء 09 شتنبر 2026
العرائش .. الرياضيون الاستقلاليون يحتفون بالرياضة المغربية بحضور لافت وتكريم الرموز
هناك مدن تستيقظ على وقع البحر وحده، وهناك أيام تُخرجها المناسبات الكبرى من رتابتها،لتكتب لنفسها صفحة تُروى طويلاً.
وكان يوم الثلاثاء 8 شتنبر 2026 واحدا من تلك الأيام التي اختارتها مدينة العرائش لتكون، لا مجرد نقطة على الخريطة، بل قلباً نابضاً بالحياة والحماس والذاكرة. فحين تلتقي الرياضة، بما تحمله من طهرانية ونقاء وروح جماعية، بالسياسة وهي في أنبل تجلياتها كخدمة للناس، وبالوفاء وهو أرقى أشكال الاعتراف بالجميل، تولد لحظات استثنائية تستحق أن تُروى بتؤدة وتُستحضر بامتنان.
وهذا بالضبط ما عاشته العرائش في ذلك اليوم، حين احتضنت فعاليات اللقاء الجهوي الأول لرابطة الرياضيين الاستقلاليين بجهة طنجة–تطوان–الحسيمة.
فقد شهد المركب الثقافي ليكسوس بباب البحر حضوراً جماهيرياً كثيفاً امتلأت معه القاعة عن آخرها، في مشهد عبّر بصدق عن حجم التعلق الذي يكنه الرياضيون والشباب والفعاليات المحلية والجهوية لهذا الموعد، الذي جاء تحت شعار دال: “إقلاع متواصل لضمان رياضة جهوية شاملة“.
وترأس اللقاء الدكتور نزار بركة، الأمين العام لحزب الاستقلال، يرافقه في ذلك رئيس رابطة الرياضيين الاستقلاليين محمد الوردي، ونائب الرئيس محمد هلال، إلى جانب كوكبة من القيادات الحزبية والأطر الرياضية والطبية، من بينها عضو اللجنة التنفيذية عبد الله البقالي، ورئيس لجنة الأخلاقيات عبد الواحد الفاسي، والأستاذ حسن عامر المفتش الإقليمي لحزب الاستقلال بإقليم العرائش ، ورئيس رابطة الأطباء الاستقلاليين خالد لحلو، ورئيسة منظمة المرأة الاستقلالية خديجة الزومي، إلى جانب ممثلي التنظيمات الموازية وحشد كبير من الرياضيين والفاعلين الجمعويين والشباب المهتمين بالشأن الرياضي.
ولم يكن اختيار توقيت هذا اللقاء وشكله من قبيل الصدفة، بل جاء في سياق سعي دؤوب من الرابطة لتوطيد حضورها الجهوي، وفتح نقاش موسع وجاد حول واقع الرياضة بالجهة وآفاق تطويرها، بما أفضى إلى بلورة مقترحات عملية تهم النهوض بالبنيات التحتية الرياضية، ودعم الشباب والجمعيات والطاقات الواعدة، وترسيخ ثقافة العمل التشاركي بين مختلف المتدخلين في الحقل الرياضي.
ومنذ الساعة التاسعة صباحاً، دبّت الحياة في أرجاء المدينة برنامج رياضي متنوع أضفى على اليوم طابعاً احتفالياً، إذ تنافس الشبان في مباراة لكرة السلة وأخرى للكرة الطائرة، بينما شقّت الدراجات طريقها في سباق بالحلقة المغلقة، وخاض أطفال أبناء الجالية المغربية منافسات في البياتلون عكست روح المشاركة والانفتاح. وحين حانت الساعة الثانية عشرة زوالاً، طويت صفحة الأنشطة الصباحية لتُفتح صفحة جديدة من التكوين والحوار، حيث احتضن المركب الثقافي، ابتداءً من الساعة الثانية والنصف بعد الزوال، ورشات تطبيقية أشرف عليها خبراء ومتخصصون، شكّلت فرصة ثمينة لتبادل التجارب وتعميق النقاش حول قضايا الشباب والرياضة.
وقبل أن تنطلق فعاليات اللقاء الرسمي، خصص الدكتور نزار بركة وقتاً لجولة ميدانية داخل مختلف الورشات والفضاءات الرياضية، اطلع خلالها عن قرب على سير الأنشطة، وتفاعل مباشرة مع المشاركين والرياضيين والمؤطرين، في لفتة عكست اهتمامه الشخصي بمختلف مكونات البرنامج. وتحولت هذه الجولة إلى محطة تواصل حميمية بين الأمين العام لحزب الاستقلال والحاضرين، حيث التقط معهم صوراً تذكارية، وتبادل أطراف الحديث حول واقع الرياضة والشباب بالجهة، وسط أجواء غلبت عليها العفوية والحماس.
وبعد هذه الجولة، توجه بركة إلى القاعة الكبرى التي كانت قد اكتظت بالحضور واكتملت عن آخرها، لتنطلق المراسم الرسمية بأداء النشيد الوطني المغربي، أعقبه نشيد حزب الاستقلال، في لحظة حماسية جسّدت رمزية المناسبة وحجم التعبئة التي رافقتها. وتولى الإعلامي عادل العلوي تسيير مختلف فقرات اللقاء بحرفية لافتة، منسّقاً الكلمات والمداخلات والمحطات المبرمجة قبل أن تتوالى الكلمات الرسمية.
وفي كلمته، أكد محمد هلال، نائب رئيس رابطة الرياضيين الاستقلاليين، أن هذا اللقاء الجهوي يشكل محطة حقيقية للتواصل مع الرياضيين والفاعلين في مختلف التخصصات، وفضاءً خصباً لتبادل الأفكار والتصورات حول سبل تطوير الرياضة بالجهة وتعزيز حضور الشباب فيها. من جهته، شدد محمد الوردي، رئيس الرابطة، على أهمية بناء دينامية رياضية جهوية تقوم على الانفتاح والتنسيق والإنصات لانتظارات الرياضيين والجمعيات، داعياً إلى مواصلة العمل من أجل خدمة الرياضة والرياضيين، ودعم المواهب الشابة وتوفير الظروف الملائمة لتألقها وعطائها.
غير أن اللحظة التي طبعت اللقاء بميسمها الخاص، كانت العرض السياسي العميق الذي قدمه الدكتور نزار بركة، والذي ذهب فيه إلى أن القطاع الرياضي لم يعد مجرد منافسات أو بنيات تحتية أو لحظات احتفالية عابرة، بل أضحى مشروعاً مجتمعياً متكاملاً وحقاً أساسياً من حقوق الإنسان، وجزءاً لا يتجزأ من الرأسمال اللامادي للمملكة، ورافعة حقيقية لإعادة التوازن بين الواقع المعيش والعالم الافتراضي لدى الناشئة. وأوضح بركة أن الرياضة تحتل موقعاً أساسياً في تصور حزب الاستقلال للارتقاء بالعنصر البشري وترسيخ القيم والأخلاق، بوصفها مجالاً للتربية على الانضباط وروح المسؤولية والعمل الجماعي، فضلاً عن دورها في بناء شخصية الشباب وتعزيز اندماجهم داخل المجتمع.
ولم يخل خطاب الأمين العام من نبرة نقدية صريحة، إذ سلّط الضوء على التفاوتات القائمة في توزيع الدعم العمومي الموجه للجامعات الرياضية، وعلى الفجوة التنموية العميقة بين المدن الكبرى والمناطق الصغرى والقروية، معتبراً أن الجمع بين قطاعي التعليم والرياضة داخل حقيبة وزارية واحدة يطرح إشكاليات تدبيرية حقيقية، بالنظر إلى حجم التحديات الضخمة التي يواجهها كل قطاع على حدة، ولا سيما في ظل مؤشرات جودة التعليم المتواضعة التي تعكسها النتائج المسجلة في التصنيفات الدولية على غرار اختبار “بيزا”.
وسعياً إلى الانتقال بالرياضة من منطق الإنفاق العمومي الاستهلاكي إلى قطاع استثماري منتج للقيم وفرص الشغل، طرح نزار بركة رؤية شاملة ترتكز على ثلاثة تحولات جوهرية: أولها إنصاف ترابي حقيقي يتجاوز مفهوم “ملاعب القرب” التقليدية نحو إحداث مراكز متعددة التخصصات، وتطوير ما أسماه “الرياضات الجبلية”، عبر إحداث مسارات للدراجات تمتد على نحو 1000 كيلومتر تربط بين طنجة وتطوان وشفشاون ووزان والعرائش، إلى جانب إطلاق قوافل رياضية متنقلة تجوب الدواوير النائية. وثانيها جعل الرياضة في قلب المدرسة، بتحويل المؤسسة التعليمية إلى مشتل حقيقي لاكتشاف الطاقات في سن مبكرة، وصياغة مسارات أكاديمية موازية تعفي الشباب من معضلة الاختيار بين التحصيل الدراسي والطموح الرياضي. أما التحول الثالث فيتعلق بحكامة الدعم والتمويل، عبر ربط التمويل العمومي الموجه للجامعات والأندية بالنتائج والأهداف المحققة، وإرساء نموذج اقتصادي يضمن للرياضيين العيش الكريم بعد الاعتزال.
ولم يفت الأمين العام لحزب الاستقلال أن يستحضر في ختام كلمته محطة احتضان المغرب لكأس العالم 2030 بالمشاركة مع إسبانيا والبرتغال، معتبراً أن هذا الاستحقاق التاريخي، الذي تحقق بفضل القيادة الرشيدة لصاحب الجلالة الملك محمد السادس، يشكل تتويجاً للثقة الدولية الكبيرة التي تحظى بها المملكة. وشدد بركة على ضرورة استثمار هذه الدينامية الاستثنائية بامتدادها إلى جميع جهات المملكة، دون اختزالها في كرة القدم أو حصرها في المدن المستضيفة فقط، مع العمل على تأهيل الشباب لغوياً ومهارياً ليكونوا الفاعل الأساسي في إنجاح هذا الرهان التاريخي. كما ذكّر بأن غاية العمل السياسي الأسمى تبقى خدمة الوطن وضمان حقوق المواطنين والاستجابة لانتظاراتهم، بعيداً عن صراعات التموقع، بما يجعل من العمل السياسي والميداني وسيلة لتحقيق نتائج ملموسة لفائدة المواطن والمجتمع.
وقد عرف اللقاء حضوراً سياسياً وإعلامياً ورياضياً لافتاً، جمع شخصيات وازنة إلى جانب وجوه رياضية وجمعوية وشبابية عديدة، فيما ظل الحضور الجماهيري الكبير إحدى أبرز سمات هذه التظاهرة التي امتلأ فيها المركب الثقافي ليكسوس عن آخره، في مشهد عكس حجم التفاعل مع اللقاء وأهميته بالنسبة للفعاليات الرياضية والمحلية على حد سواء.
وفي لحظة مفعمة بالوفاء والعرفان، توقفت فعاليات اللقاء عند تكريم عدد من رموز الرياضة المغربية الذين تركوا بصمتهم في مسار الرياضة الوطنية، اعترافاً بما قدموه من عطاءات وإنجازات وما راكموه من مسارات مشرفة. وشملت لائحة المكرَّمين ، عادل الكوش في ألعاب القوى، وعبد الكريم الحضريوي وعبد السلام الغريسي ونجاة بدري ومحمد العرجون في كرة القدم، إلى جانب عبد الله جعفري وأمين بويرماون وعز الدين هلال وعصام البخير ونصر الدين المعتوكي وعبد السلام الشعباوي وعلي ألوطة. ولم يغب الوفاء لذكرى الراحلين عن هذه المحطة، إذ جرى تكريم روح المرحوم عبد الحق لوط، في لحظة استحضرت مساره وعطاءه، وحملت رسالة تقدير لكل الأسماء التي أسهمت في خدمة الرياضة المغربية وتركت بصمتها في ذاكرة الأجيال. وقد قدّم الأمين العام لحزب الاستقلال، في ختام الأشغال، التفاتة تكريمية إضافية لنخبة من الأبطال والرياضيين المغاربة، اعترافاً بما قدموه من خدمات جليلة للإشعاع الوطني في مختلف المحافل الدولية.
ولم يقف برنامج اللقاء عند حدود الجانب الرياضي والتواصلي، بل انتقل، ابتداءً من الساعة السادسة مساءً، إلى محطة تنظيمية بالغة الأهمية، تمثلت في انعقاد المؤتمر الجهوي لرابطة الرياضيين الاستقلاليين بجهة طنجة–تطوان–الحسيمة، حيث جرت أشغال انتخاب الرئيس الجهوي للرابطة وأعضاء المكتب الجهوي، إلى جانب تلاوة التقرير النهائي لأشغال المؤتمر. واكتست هذه المحطة أهمية خاصة في مسار الرابطة، باعتبارها أرست إطاراً تنظيمياً جهوياً جديداً لمواصلة التواصل مع الرياضيين والفاعلين، ورصد الإكراهات التي تواجه الممارسة الرياضية، والمساهمة في بلورة مقترحات وتصورات عملية للنهوض بالقطاع.
وهكذا، بين المنافسات الرياضية الصباحية والورشات التطبيقية والكلمات السياسية العميقة ولحظات التكريم وأشغال المؤتمر الجهوي، عاشت مدينة العرائش يوماً رياضياً وتنظيمياً بامتياز، جمع بين مختلف هذه الأبعاد في نسيج واحد متكامل، وسط حضور جماهيري كبير جعل المركب الثقافي ليكسوس ممتلئاً عن آخره من الصباح حتى المساء. وعكست مختلف فقرات هذا اليوم رغبة صادقة في الجمع بين الرياضة والتكوين والتواصل والتنظيم والعمل الميداني، مع وضع قضايا الشباب والرياضيين في صلب النقاش، انسجاماً تاماً مع شعار اللقاء “إقلاع متواصل لضمان رياضة جهوية شاملة”.
وبذلك، شكّل اللقاء الجهوي الأول لرابطة الرياضيين الاستقلاليين بجهة طنجة–تطوان–الحسيمة محطة جديدة في مسار التنظيم الرياضي الاستقلالي، ورسالة واضحة بشأن الرغبة في جعل الرياضة رافعة حقيقية للتنمية الجهوية والوطنية، ومجالاً للارتقاء بالإنسان وترسيخ قيم المواطنة والانضباط والعمل الجماعي، مع رهان صريح على الطاقات الشابة باعتبارها إحدى أهم ركائز مستقبل الرياضة بالجهة والمغرب.
ولعل المتتبع لفعاليات هذا اليوم الحافل يدرك أن ما جرى بالعرائش لم يكن سوى تعبير آخر عن حزب استطاع، على مدى مسيرته، أن يحافظ على تماسكه وقوة تنظيمه، وأن يجدد حضوره في الساحة الوطنية بقيادة حكيمة تجمع بين الرصانة السياسية والقرب من هموم المواطنين، والجرأة في طرح رؤى نقدية بنّاءة لأوراش وطنية كبرى. فحزب الاستقلال، بقيادة الدكتور نزار بركة، يبقى صرحاً سياسياً متيناً، يستمد قوته من وحدة صفوفه وانضباط مناضليه، ومن قدرته على مد الجسور مع مختلف الفئات، رياضيين وشباباً وفعاليات مجتمعية، بما يؤكد أن هذا الحزب العريق ما زال قادراً على استلهام روح المبادرة، وترجمة رؤيته السياسية إلى أفعال ملموسة على الأرض، تخدم الإنسان قبل كل اعتبار، وتستحضر رهانات كبرى كاستضافة المغرب لكأس العالم 2030، بما يكرّس صورة حزب متجذر في الواقع، منفتح على المستقبل، ومتماسك في مواجهة التحديات.










