
قديسو الزمن الانتخابي
الجمعة 18شتنبر 2026 ![]()
بقلم : عبد الاله الكريبص .. قديسو الزمن الانتخابي
حينما يأتي زمن الحملة الانتخابية يتوجه الكثير من القديسين الى الأحزاب السياسية بالسب والشتم والتخوين والاتهام بالفساد، وكأن الفساد موجود في الاحزاب السياسية فقط وليس قضية مجتمعية تعكس الفشل الجماعي لمؤسسات التنشئة التقليدية.
* هل معنى ذلك أن الاحزاب السياسية ليس فيها أشخاص فاسدون؟ وفي المقابل هل الاحزاب السياسية ليس فيها شرفاء ونزهاء ؟
الحقيقة الواضحة هي أن الأحزاب السياسية تشبه إلى حد بعيد الفضاءات العمومية المفتوحة حيث يلتقي الصالح والطالح الفاسد والنزيه تحت سقف الممارسة السياسية المؤطرة بالقانون. ولا يمكن لأي حزب مهما ادعى الطهرانية أن يتحكم في سلوك أعضائه دائما. فالتاريخ يعلمنا ان الأحزاب التي تحمل شعارات كبيرة ينتهي بها المطاف بعد بضعة عقود إلى ان تكون أحزابا عادية تتعايش داخلها السلوكات المنحرفة والنوايا الطيبة بدون حرج في سياق اجتماعي تتراجع فيه قيم التنشئة السليمة و تتعزز فيه ثقافة المصالح بعيدا عن الشعارات الكبيرة التي تنتجها أزمنة المعارضة. أضف إلى ذلك ان النظام الانتخابي لا يمكن أن يمنح لأي حزب أغلبية مطلقة تمكنه من تدبير الشأن العام لوحده وهذا كاف لأن يجعل شعارات عدم التحالف مع الفساد مجرد شعارات فارغة تفقد معناها منذ الدقيقة الأولى لإعلان النتائج النهائية للاقتراع. ولنا في التاريخ القريب للحكومات السابقة ومجالس الجماعات الترابية خير مثال.
لكن مع كل هذه الانحرافات الممكنة داخل المؤسسات الحزبية،يبقى خيار الانتماء السياسي للأحزاب جزءا من إرادة تعزيز قيم التعددية والسلوك الديموقراطي المنسجم مع التوجهات الأصلية للمقتضيات الدستورية التي جاء بها دستور 2011 في فصوله الأولى خاصة في ما يتعلق بنظام الحكم والنظام الدستوري للمملكة وما يترتب على هذه المقتضيات من الحق في الانتماء الحزبي والمشاركة في اختيار ممثلي الشعب في المؤسسات المنتخبة.
فالديموقراطية هي أرقى ما وصل اليه الفكر البشري في مجال تدبير الاختلاف والتداول السلمي على السلطة، ومهما تكن نقائصها ومهما تضق هوامشها فهي تبقى أفضل بكثير من أنظمة شمولية دكتاتورية تحصي على المواطنين أنفاسهم لذلك مسؤوليتنا جميعا هي تعزيز المكتسبات في مجال الديموقراطية وليس نسفها وتسفيهها.
قد يعترض معترض بقوله ان الأحزاب سيطر عليها الفاسدون والسماسرة، قد يكون في هذا القول الكثير من الوجاهة والصواب، لكنني مع ذلك أعتبر أن الذي يقوم بعمل سياسي من داخل حزب سياسي أو يؤدي عملا إنسانيا من داخل جمعية تطوعية أو يقوم بعمل نقابي من داخل مؤسسة نقابية معينة، هو بالنسبة لي مواطن ايحابي نافع، يضحي بوقته وماله أحيانا و سمعته، خدمة للصالح العام والتاريخ يفضح كل المنحرفين.
لكن هل الفساد موجود في الاحزاب السياسية فقط ؟ أم هو كارثة أخلاقية تضرب الانسان المغربي كيفما كان وضعه الاجتماعي ودوره المدني ؟
* كم من مسؤول فاسد اغتنى في رمشة عين وليس له اي علاقة بالاحزاب السياسية؟
*كم من فاعل مدني حول جمعيته الى بقرة حلوب تدر عليه الملايين؟
* كم من موظف بسيط لا علاقة له بالسياسة جمع من وظيفته الملايير وذهب الى تقاعده المريح وتجده اليوم في المقاهي يسب الأحزاب السياسية دون خجل؟
*كم من سمسار متفرغ لشتم الاحزاب السياسية فقط لأنه لم يحصل على نصيبه من اللبن؟
لا يمكن تبسيط الامور واختزال الازمة في وجود أحزاب سياسية فاسدة أو متحالفة مع الفساد. فنحن أمام ظاهرة شاملة، وكل إنسان مسؤول عن نفسه وعن سلوكه السياسي، وعلاقاته بالناس. ويبقى على الأجهزة الرقابية مسؤولية الحكم بفساد هذا أو ذاك وترتيب الجزاءات. ما عدا ذلك هي آراء وانطباعات تبقى من حق المواطن العادي.
وأخيرا، ممارسة السياسة هو حق دستوري، والتفريط فيه هو هدية مجانية للفاسدين الذين يستغلون الفراغ ليملؤوه بطريقتهم الخاصة. ليس صعبا أن تسب الفساد لكن الصعب هو أن تنازله وتدفعه الى الهامش.









