آفاق الرأي

من القصر الكبير .. الاستقلال يضع المواطن أولا

والإنصاف والكرامة عنوان المرحلة

السبت 12شتنبر 2026 من القصر الكبير .. الاستقلال يرفع سقف الرهان : الكرامة أولاً والعدالة طريقاً لاستعادة ثقة المواطنلم تكن مدينة القصر الكبير، وهي تستقبل لقاء حزب الاستقلال، أمام محطة انتخابية عادية؛ فالحضور الجماهيري الكثيف، والأجواء الحماسية التي طبعت اللقاء، والرسائل السياسية والاجتماعية التي حملتها مداخلاته، جعلت من هذه المحطة موعداً لتجديد العهد مع مدينة ارتبط اسمها بتاريخ الوطن ونضالاته، وفضاءً لطرح أسئلة المواطن وانتظاراته بلغة مباشرة تلامس تفاصيل حياته اليومية.

وفي قلب هذا المشهد، ترأس وكيل لائحة حزب الاستقلال في الانتخابات التشريعية بالدائرة المحلية العرائش لقاءً تواصلياً بمدينة القصر الكبير، بحضور الأخ عبد العالم الهنا، وصيف وكيل اللائحة، والأخت وئام الجلولي، وكيلة لائحة الحزب في الانتخابات التشريعية بالدائرة الانتخابية الجهوية لجهة طنجة تطوان الحسيمة، إلى جانب باقي مرشحي الحزب، وبحضور الأخ خاليد لحلو، عضو اللجنة التنفيذية للحزب، والأخ حسن عامر، المفتش الإقليمي للحزب، وعدد من منتخبي الحزب وأطره ومناضلاته ومناضليه.

ومنذ البداية، كان واضحاً أن اللقاء لا يستهدف فقط استعراض برنامج انتخابي، وإنما يسعى إلى إعادة وضع المواطن في قلب النقاش السياسي، من خلال التوقف عند الملفات التي أصبحت تشكل عناوين يومية للقلق الاجتماعي، وفي مقدمتها القدرة الشرائية، والماء، والصحة، والسكن، والتشغيل، والدعم الاجتماعي، ومستقبل الشباب، فضلاً عن حماية الأسرة والمنظومة القيمية.

القصر الكبير، بما تختزنه من ذاكرة وطنية ونضالية، حضرت بقوة في خلفية هذا اللقاء. فهذه المدينة التي كان أبناؤها في صلب معارك التحرير وبناء الاستقلال، راكمت عبر عقود رصيداً من النضال والتضحية، جعل منها فضاءً تتقاطع فيه الذاكرة الوطنية مع الحاضر السياسي. ومن هذا الامتداد التاريخي، يفسَّر استمرار الارتباط بين أجيال الحزب داخل المدينة، جيلاً بعد جيل، في علاقة تقوم على الذاكرة المشتركة والوفاء لقيم العمل الوطني.وفي لحظة تستحضر فيها المنطقة ظروفاً استثنائية عرفتها مؤخراً، جرى التنويه بما أبانت عنه ساكنة المدينة من انضباط وتماسك وروح مسؤولة، مع التأكيد على أن حماية المواطنات والمواطنين لا ينبغي أن تكون مجرد تدبير ظرفي تفرضه الأزمات، بل التزاماً دائماً ومسؤولية سياسية ومجتمعية، تنطلق من قاعدة واضحة مفادها أن الوطن والمواطن يأتيان أولاً.

ومن هذه الزاوية، أخذ ملف الماء حيزاً مهماً من النقاش، باعتباره قضية تتجاوز توفير مورد حيوي إلى ارتباطها بالأمن الغذائي والاستقرار الاقتصادي والاجتماعي. فالأوراش المبرمجة في مجال الماء، والتي تستهدف تأمين حاجيات الساكنة من الماء الصالح للشرب وتوسيع المساحات المسقية ودعم الأنشطة الفلاحية، يمكن أن تمنح المنطقة دفعة قوية لاستثمار مؤهلاتها الطبيعية والفلاحية.

والرهان، كما تم تقديمه، لا يتعلق فقط بإنتاج المزيد، وإنما ببناء قدرة وطنية أكبر على تأمين الغذاء، وجعل المنطقة خزّاناً حقيقياً للبلاد في مجال الأمن الغذائي، بما يعزز السيادة الوطنية ويمنح الأولوية لتأمين حاجيات السوق الداخلية من الإنتاج الوطني قبل التفكير في التوجه نحو التصدير.لكن إذا كان الماء عنواناً استراتيجياً للمستقبل، فإن القدرة الشرائية تبقى الهاجس الأكثر التصاقاً بالحياة اليومية للأسر. وفي هذا السياق، تم تشخيص أحد أوجه الاختلال في المسافة الكبيرة التي تفصل بين السعر الذي يحصل به الفلاح على منتوجه والثمن الذي يؤديه المستهلك في السوق، وهي معادلة تجعل المنتج والمواطن معاً في مواجهة منظومة توزيع يطغى عليها تعدد الوسطاء والمضاربة.

ومن هنا جاء طرح إحداث وكالات جهوية لتوزيع المنتجات الفلاحية، باعتبارها آلية من شأنها تقليص حلقات الوساطة، وإنصاف الفلاح، وفي الوقت نفسه حماية المستهلك من المضاربة والارتفاع غير المبرر للأسعار. إنها رؤية تبحث عن معالجة أصل الاختلال بدل الاكتفاء بالتعامل مع نتائجه.

أما الدعم الاجتماعي المباشر، فقد تم تقديمه ضمن تصور يعتبره استثماراً في الأسر المغربية وليس مجرد مساعدة ظرفية. فالدعم، وفق هذا المنظور، ينبغي أن يكون جزءاً من مسار متكامل يساعد الأسرة على الانتقال من الهشاشة إلى الاستقلال الاقتصادي، عبر مواكبة أبنائها في التكوين والتشغيل وخلق فرص حقيقية للارتقاء الاجتماعي.وفي السياق ذاته، برزت الدعوة إلى مراجعة مؤشر الاستفادة من الدعم بشكل دوري، تفادياً لأن تجد الأسر نفسها أمام فقدان مفاجئ لهذه المساعدة نتيجة تغير وضعيتها أو المؤشرات المعتمدة، بما يضمن قدراً أكبر من الاستقرار والوضوح في منظومة الدعم الاجتماعي.

وفي القطاع الصحي، كان الرهان واضحاً على الانتقال من منطق تدبير الخصاص إلى بناء منظومة أكثر قدرة على الاستجابة لحاجيات المواطنين. فمواصلة الرفع من أعداد الطلبة المسجلين بكليات الطب، وتشجيع أبناء المناطق على الاشتغال داخل أقاليمهم، وتقريب التخصصات الطبية من الساكنة بالمستشفيات الإقليمية، كلها إجراءات اعتُبرت ضرورية لتحقيق عدالة صحية ومجالية أكثر إنصافاً.

وفي هذا الإطار، يطرح برنامج الحزب إحداث وكالة خاصة بالمستعجلات، بما يسمح بتسريع التكفل بالحالات المستعجلة، حتى لا يجد المريض نفسه مضطراً إلى الانتظار طويلاً أو التنقل بين المدن بحثاً عن العلاج، وليصبح حق المواطن في التكفل الصحي السريع واقعاً ملموساً لا مجرد مقتضى نظري.

ولم يكن السكن والتشغيل بعيدين عن صلب النقاش، باعتبارهما من أكثر الملفات ارتباطاً بمستقبل الشباب واستقرار الأسر. فالحاجة إلى توسيع العرض السكني، ومواكبة الشباب المقبل على الزواج في الولوج إلى السكن، تفرض نفسها كأولوية اجتماعية، بالتوازي مع ضرورة تثمين المؤهلات الصناعية والفلاحية التي تزخر بها المنطقة وتحويلها إلى فرص شغل قارة تحفظ لأبناء الإقليم حقهم في بناء مستقبلهم داخل منطقتهم.كما أن الاستثمار في الشباب لا يمكن، وفق هذا التصور، أن يختزل في الوظيفة والسكن فقط، بل ينبغي أن يشمل الرياضة والثقافة باعتبارهما مجالين لصناعة المواهب وتكوين المهارات وخلق فرص جديدة للاندماج والارتقاء الاجتماعي.

وفي ختام اللقاء، انتقل النقاش من الملفات الاقتصادية والاجتماعية إلى سؤال لا يقل أهمية: أي مجتمع نريد أن نبني؟ فتماسك الأسرة وحماية المنظومة القيمية، كما تم التأكيد، يشكلان أساساً لأي مشروع تنموي مستدام، خصوصاً في ظل التحولات الرقمية المتسارعة وما تتيحه من انفتاح واسع على مضامين وقيم متعددة.

والرهان هنا ليس على الانغلاق، وإنما على انفتاح واعٍ، يعرف كيف يستفيد من التطور ويحسن الاختيار، ويحافظ في الوقت ذاته على الهوية الوطنية والمنظومة القيمية والسيادة الوطنية.

وبين ذاكرة مدينة صنعت جزءاً من تاريخ المغرب، وحاضر مليء بالتحديات، ومستقبل يبحث فيه المواطن عن الأمان الاجتماعي والاقتصادي، جاء لقاء حزب الاستقلال بالقصر الكبير حاملاً رسالة سياسية واضحة: لا يمكن استعادة ثقة المواطن إلا بسياسات يشعر بآثارها في حياته اليومية، ولا يمكن الحديث عن التنمية الحقيقية من دون عدالة مجالية، ولا عن الاستقرار الاجتماعي من دون حماية القدرة الشرائية، ولا عن المستقبل من دون الاستثمار في الإنسان والشباب.إن الرهان، في نهاية المطاف، هو أن تتحول الكرامة من شعار إلى ممارسة، والعدالة من مطلب إلى قاعدة، والاستحقاق من مبدأ معلن إلى واقع يلمسه المواطن في فرص الشغل والسكن والصحة والتعليم والدعم والخدمات الأساسية.

ومن القصر الكبير، حيث تختلط ذاكرة النضال الوطني بآمال المستقبل، يتجدد التأكيد على أن بناء مغرب أكثر إنصافاً لا يبدأ من الأرقام وحدها، بل من الإنسان؛ من المواطن الذي يريد أن يعيش بكرامة، وأن يجد فرصته داخل وطنه، وأن يطمئن إلى مستقبل أسرته وأبنائه.

وهنا تختصر الرسالة في معادلة واحدة: وطن قوي بمواطن كريم، وتنمية عادلة لا تكتمل إلا حين يشعر كل مغربي ومغربية أن لهم مكاناً مستحقاً في حاضر البلاد ومستقبلها.

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

زر الذهاب إلى الأعلى