
منتدى إنساني يؤسس لثقافة تطوعية مستدامة بالعرائش
الإثنين 27 أبريل 2026 Anouar cherradi
العرائش تحتفي بالعطاء : منتدى إنساني يؤسس لثقافة تطوعية مستدامة
في مشهد يعكس حيوية المجتمع المدني بمدينة العرائش، احتضن المركز السوسيوثقافي “محمد بن عبود”، مساء السبت 25 أبريل 2026، فعاليات النسخة الأولى من منتدى “من أجل العطاء”، في مبادرة إنسانية وأكاديمية متميزة نظمها “منتدى كرامة الأرملة” بشراكة مع جمعية “Le Trait d’Union” (الرابطة الفرنسية المغربية بأميان)، تحت شعار : “بالتطوع نرتقي .. وعلى درب العطاء نلتقي”. وقد جاء هذا الحدث ليؤكد أن العمل التطوعي لم يعد مجرد مبادرات معزولة، بل أصبح رهانا مجتمعيا يستدعي التفكير الجماعي والتأطير العلمي.
ولم يكن هذا المنتدى مجرد لقاء عابر، بل شكل فضاء مدنيا وأكاديميا لتجديد النقاش حول ثقافة التطوع، باعتبارها رافعة أساسية لترسيخ قيم المواطنة وتعزيز روح التضامن داخل المجتمع. فقد راهن المنظمون على جعله منصة للتفاعل وتبادل الخبرات، بما يتيح تقاطع الرؤى بين الفاعلين المدنيين والأكاديميين، ويُسهم في بلورة تصورات عملية تجعل من العطاء مدخلا لبناء مجتمع أكثر تماسكا واستدامة.
وفي هذا السياق، احتضنت التظاهرة ندوة علمية كبرى قاربت قضايا العمل المدني من زوايا متعددة، حيث توزعت المداخلات على محاور همت دور المجتمع المدني في نشر ثقافة التطوع، والتحولات التي تطال القيم الإنسانية في ظل التحديات الراهنة، إلى جانب استشراف آفاق انخراط الشباب في العمل التطوعي، وكذا أثر الرقمنة في تطوير المبادرات الإنسانية. وقد عكست هذه المداخلات وعيا متناميا بضرورة الانتقال من الخطاب إلى الفعل، ومن المبادرات الظرفية إلى مشاريع مستدامة.
وفي مداخلة وازنة، اعتبر الأستاذ رضوان رياش أن المجتمع المدني يشكل “ مشتل حقيقي لتكوين النخب في التدبير المحلي والوطني”، في إشارة إلى دوره الحيوي في احتضان المبادرات وصقلها قبل أن تجد طريقها إلى دوائر القرار العمومي.
ومن جهته، توقف الأستاذ محمد المعطاوي عند إشكالية القيم في زمن التحولات المتسارعة، مؤكدا أن القيمة الحقيقية لأي منظومة أخلاقية لا تقاس بما يقال عنها، بل بمدى حضورها في السلوك اليومي، وأن كرامة الإنسان تظل البوصلة التي ينبغي أن توجه كل فعل تضامني.
أما الأستاذ عماد قيساسي، رئيس جمعية السلام بالعرائش، فقد أبرز التحول الذي يشهده العمل التطوعي في العصر الرقمي، مشددا على أن الشباب بات فاعلا مركزيا في تعبئة التضامن عبر الوسائط الحديثة، مع ضرورة تأطير هذا التحول لضمان فعاليته واستمراريته.
وامتدادا لهذا النقاش، أسهمت مداخلات ذات بعد تربوي في إعادة ربط العطاء بالفعل التعليمي، حيث تم التأكيد على أن المدرسة تظل الفضاء الأمثل لغرس قيم المواطنة والمسؤولية، باعتبارها المدخل الحقيقي لبناء إنسان متوازن وقادر على الإسهام في تنمية مجتمعه. وفي بعد مجتمعي وصحي، شددت السيدة زهرة دراس على أهمية تعزيز الشراكات، خاصة بين الضفتين، مشيرة إلى مبادرة تروم تأسيس إطار جمعوي يعنى بالتوعية والكشف المبكر عن سرطان الثدي، في خطوة تعكس تزاوج الوعي الصحي بالفعل التضامني.
كما أكدت السيدة نجية إجبارة، رئيسة منتدى كرامة الأرامل، في كلمتها، أن هذا اللقاء يشكل لبنة أساسية في مسار ترسيخ ثقافة العطاء، مثمنة دعم الشركاء والحضور النوعي، ومشددة على أن مثل هذه المبادرات تسهم في تقوية النسيج الاجتماعي وتعزيز قيم التآخي والتضامن. وقد تولى الأستاذ إدريس اليعقوبي تسيير أشغال الندوة، حيث أدار فقراتها بانسجام وتنظيم، محافظا على توازن المداخلات وروح الحوار البناء التي طبعت هذا اللقاء.
ولم تخل هذه التظاهرة من لحظات وفاء مؤثرة، حيث تم تكريم عدد من الفعاليات النسوية بمدينة العرائش، تقديرا لإسهاماتهن في العمل الجمعوي والتضامني، في مبادرة تروم ترسيخ ثقافة الاعتراف وتحفيز الأجيال الصاعدة على الانخراط في مسارات العطاء. كما تخللت فقرات الختام وصلات من الطرب الأندلسي، أضفت على اللقاء بعدا جماليا وتراثيا راقيا، في انسجام مع روح المنتدى التي جمعت بين الفكر والثقافة والفن.
وقد شهد هذا الحدث حضور عدد من الفاعلين والمؤسساتيين، من بينهم رئيس المجلس الجماعي للعرائش عبد المومن الصبيحي، والأستاذة سميرة اليملاحي مستشارة بمجلس إقليم العرائش، والأستاذة فاطمة شهبر نائبة رئيس جماعة العرائش المكلفة بالقسم الثقافي والرياضي والاجتماعي، في تأكيد على أهمية دعم المبادرات المدنية وتعزيز أدوارها داخل المشهد المحلي.
واختتم المنتدى بتوزيع شواهد التقدير والتذكارات على المشاركين والمتطوعين، والتقاط صور جماعية توثق لهذه اللحظة الجماعية المضيئة، ليخرج اللقاء بخلاصة جامعة مفادها أن العطاء ليس فعلا ظرفيا أو شعارا مناسباتيا، بل هو ممارسة واعية تتقاطع فيها القيم مع المبادرة، والمعرفة مع الفعل، في أفق بناء مجتمع أكثر إنسانية وتوازنا، وترسيخ موقع مدينة العرائش كفضاء متجدد لإشعاع قيم التضامن الإنساني.










