
عبد المالك السلوي .. عالم من العرائش يقرأ المناخ ويصوغ المستقبل
الخميس 28 ماي 2026
الدكتور عبد المالك السلوي .. من العرائش إلى ريادة البحث المناخي : مسار عالمٍ يكتب المستقبل بعلمٍ راسخ
حين تتحول المعرفة إلى رسالة، ويغدو العلم التزاما أخلاقيا تجاه الإنسان والطبيعة، يتشكل نموذج استثنائي لعالِم لا يكتفي بتراكم الشهادات، بل يوظفها في خدمة المجتمع. ضمن هذه النماذج المضيئة، يبرز اسم الدكتور عبد المالك السلوي، ابن مدينة العرائش، الذي شقّ طريقه بثبات في دروب البحث العلمي، ليصبح أحد أبرز الباحثين المغاربة في مجال علم المناخ والهيدرولوجيا، جامعا بين العمق الأكاديمي والانخراط الفعلي في قضايا البيئة والتنمية المستدامة.
راكم الدكتور عبد المالك السلوي، على مدى عقود، مسارا أكاديميا ومهنيا متميزا، جمع فيه بين الصرامة العلمية والانخراط العملي، مع حضور وازن على المستويين الوطني والدولي.
ولد الدكتور السلوي سنة 1957 بمدينة العرائش، حيث تشكلت ملامح شخصيته الأولى في أحياء المدينة العتيقة، قبل أن يشق طريقه العلمي بثبات نحو تخصص الجغرافيا الفيزيائية، ليؤسس بذلك لمسار علمي سيقوده إلى مصاف الباحثين المتخصصين في قضايا المناخ والموارد المائية. يشغل حاليا منصب أستاذ التعليم العالي بجامعة الحسن الثاني بالدار البيضاء، ويزاول مهامه بكلية الآداب والعلوم الإنسانية بالمحمدية، حيث ظل وفيا لرسالته العلمية والتربوية في تكوين أجيال من الطلبة والباحثين.
تميز مساره الأكاديمي بتكوين رصين ومتدرج، إذ حصل على دكتوراه السلك الثالث في المناخ الزراعي سنة 1986 من أكاديمية العلوم بمدينة ليل الفرنسية، قبل أن يتوّج هذا المسار بدكتوراه الدولة في علم المناخ والهيدرولوجيا من جامعة محمد الخامس بالرباط سنة 2000. كما عزّز تكوينه بسلسلة من الشهادات والتخصصات الدقيقة، من بينها تكوين في مناهج وتقنيات التعليم عن بعد عبر الإنترنت بجامعة رين 2 خلال الجامعة الأوروبية الصيفية بسان مالو سنة 2002، وشهادة من جامعة الحسن الثاني بالمحمدية سنة 2003، إلى جانب تخصص في “البيئات والتراثات الساحلية” بمراكش سنة 1998، وتكوين في منهجية تقييم الهشاشة أمام التغيرات المناخية بالمركز الوطني للبحث الزراعي بسطات سنة 1996، إضافة إلى تكوين متخصص في التوصيف الزراعي الإيكولوجي بالمركز ذاته.
ويغطي مجال خبرته العلمية عدة تخصصات دقيقة، تشمل علم المناخ والهيدرولوجيا، والنمذجة الرقمية، ونظم المعلومات الجغرافية، وتدبير المخاطر، ما جعله مرجعًا أكاديميًا في تقاطع هذه المجالات الحيوية، خاصة في ظل التحديات البيئية المتسارعة.
على المستوى المهني، راكم الدكتور السلوي تجربة غنية ومتنوعة، حيث ساهم في العديد من المشاريع والدراسات الوطنية والدولية. ففي سنة 2021، شارك في تأطير دورة تدريبية نظمتها الجمعية الدولية لعلم المناخ بجامعة الحسن الثاني بالمحمدية. كما شغل ما بين 2019 و2021 عضوية المكتب التنفيذي للجمعية الدولية لعلم المناخ، وتولى سنة 2020 رئاسة الجمعية الوطنية لعلم المناخ. وبرزت خبرته الاستشارية من خلال مساهمته سنة 2019 كخبير لدى مؤسسة “Capital R-Humaines” لإنجاز الأطلس الزراعي للمغرب لفائدة وزارة الفلاحة، إضافة إلى عمله سنة 2017 خبيرًا مستشارًا لدى “Sigma 3A” لإنجاز المونوغرافيا الخاصة بجهة مراكش-آسفي لفائدة وزارة البيئة، ومشاركته في إعداد نظام معلومات جغرافي لدراسة أطلس التغير المناخي والهشاشة والمخاطر لفائدة وزارة الفلاحة والصيد البحري.
كما انخرط في تأطير الورشات الوطنية التي أطلقتها وزارة البيئة، سواء سنة 2017 لفائدة الجمعيات والصحفيين بجهة مراكش-آسفي حول التواصل البيئي، أو سنة 2016 لفائدة المنتخبين الجهويين حول إدماج التغيرات المناخية في مشاريع التنمية المستدامة. وتولى ما بين 2013 و2015 مسؤولية برنامج بحثي مهم حول “التغيرات المناخية والهجرة الدولية بالمغرب” بالمعهد الملكي للدراسات الاستراتيجية، كما شارك في مشروع تقييم الكربون ضمن برنامج غراسة الأشجار المثمرة، وساهم بين 2010 و2012 في برنامج بحثي حول آليات تكيف الجماعات المحلية مع التغيرات المناخية في مناطق شيشاوة وآيت بوكماز بشراكة مع المعهد الوطني للبحث الزراعي، بتمويل من المركز الكندي لبحوث التنمية الدولية.
وفي إطار مساهماته العلمية، أشرف بين 2007 و2009 على إنجاز خريطتين مناخيتين (حرارية ومطرية) ضمن برنامج اليونسكو لإعداد أطلس المغرب، كما أنجز سنة 2011-2012 دراسة للأثر البيئي لتوسعة مكمن الرمال قبالة العرائش، مرفوقة ببحث سوسيو-اقتصادي حول ميناء العرائش ومحيطه.
أما على مستوى الأنشطة الجمعوية والمشاركات الدولية، فقد اضطلع الدكتور السلوي بأدوار قيادية بارزة، من بينها رئاسة الجمعية الإفريقية لعلم المناخ، ورئاسته السابقة للجمعية المغربية لعلم المناخ، إلى جانب إدارته السابقة لمختبر “الماء والمجتمعات” بكلية الآداب بالمحمدية. كما شارك في مؤتمر الأطراف COP22 بمراكش سنة 2016 بصفته منسقًا علميًا لمشاركة جامعة الحسن الثاني، وسبق له أن ساهم في أشغال قمة الأرض بمراكش سنة 2001 (COP7) ضمن شبكة المنظمات غير الحكومية الوطنية.
كما كان حاضرًا في عدد من الندوات الدولية، من بينها ندوة “التغير المناخي بالمغرب: تقاسم المعارف والشبكات المنخرطة” سنة 2015 بالرباط، وندوة “البيئة والتغير المناخي بالمغرب” سنة 2012 بطنجة، في إطار تعاون دولي بين مؤسسات أوروبية ومتوسطية. ويُعدّ أيضًا عضوًا مؤسسًا في البرنامج الدولي للمحيط الحيوي – الغلاف الأرضي (IBGP) بمنطقة الشرق الأوسط وشمال إفريقيا، فضلًا عن تقلده مهام نائب رئيس الجمعية الوطنية لعلم المناخ وأمين مال الجمعية المغربية للدراسة والبحث حول التغيرات البيئية.
وفي موازاة ذلك، اضطلع بعدة مسؤوليات علمية وبيداغوجية، حيث شغل عضوية مكتب مركز البحث في علم المناخ بكلية الآداب بن امسيك، ونائب رئيس الجمعية الوطنية للبيئة والتنمية بالمحمدية، كما أشرف على برامج بحث مشتركة مع مؤسسات دولية مثل جامعة مرسيليا ومديرية الأرصاد الجوية الوطنية، وكان عضوًا في مجموعات بحث وطنية ودولية حول التكيف مع التغيرات المناخية.
كما درّس بالمدرسة الحسنية للأشغال العمومية، وانخرط في المعهد المتوسطي للماء بمرسيليا، وتولى المسؤولية البيداغوجية لماستر متخصص في “المناخ والموارد المائية بالمغرب: التدبير والتنمية والمحاكاة”، إضافة إلى تنسيقه لمجموعة البحث حول الماء والجفاف بالمغرب، وإدارته لمختبر “المجال والمجتمعات والتنمية المستدامة”، وتأطيره لطلبة الدكتوراه في وحدة “الماء والحضارة”.
ولم تقتصر إسهاماته على البحث فقط، بل امتدت إلى الإشراف على أطروحات الدكتوراه لأكثر من ثلاثين سنة، حيث تناولت أعمال طلبته مواضيع حيوية مثل نمذجة مخاطر الفيضانات، ودينامية المناخ والتعمير، والتغير المناخي والهجرة، وتدبير المخاطر الطبيعية، ونظم المعلومات الجغرافية كأداة لاتخاذ القرار، والمحافظة على البيئة وتثمينها.
بهذا المسار المتكامل، يرسّخ الدكتور عبد المالك السلوي مكانته كأحد أعمدة البحث العلمي في مجال المناخ بالمغرب، ونموذجًا للعالِم المنخرط في قضايا مجتمعه، حيث تتقاطع المعرفة الأكاديمية مع المسؤولية البيئية في زمن تتزايد فيه التحديات المناخية.
إن مساره ليس مجرد سيرة علمية حافلة، بل هو تعبير عن التزام عميق بالعلم كأداة للفهم والتغيير، وتجسيد حي لقيمة الكفاءة الوطنية حين تجد طريقها نحو التأثير. من العرائش إلى المحافل الدولية، ظل وفيًا لرسالة المعرفة، مؤكدًا أن الاستثمار الحقيقي للأوطان يبدأ من عقول علمائها.









