
العرائش :«للحياة طعم آخر» للكاتبة فدوى حسيني
من الإصدار الأدبي إلى مساءلة عميقة للذات الإنسانية
الخميس 4 يونيو 2026
«للحياة طعم آخر» لفدوى حسيني… من الإصدار الأدبي إلى مساءلة عميقة للذات الإنسانية
في حركية ثقافية تمتد من العرائش محليًا إلى الفضاءين الوطني والعربي، صدر عمل روائي جديد للكاتبة فدوى حسيني بعنوان «للحياة طعم آخر»، في خطوة تعزز حضور الأصوات الأدبية المحلية داخل الساحة الثقافية الوطنية، وتؤكد استمرار الدينامية الإبداعية التي تعرفها المدينة في السنوات الأخيرة.
ويأتي هذا الإصدار ليضيف لبنة جديدة في مسار الكاتبة، التي اختارت الاشتغال على قضايا إنسانية ذات بعد نفسي واجتماعي، مستثمرة السرد كأداة لفهم التحولات التي يعيشها الفرد في مواجهة الأزمات والتحديات اليومية. كما تعتمد الرواية، وفق قراءة أولية، على بناء شخصيات قريبة من الواقع، تعكس تناقضات الإنسان المعاصر بين الانكسار والرغبة في الاستمرار، وهو ما يمنح النص طابعًا واقعيًا يلامس تجربة القارئ بشكل مباشر.
غير أن أهمية هذا العمل لا تقف عند حدود السرد التقليدي، بل تتجاوزه نحو أفق أعمق، حيث تتحول الكتابة إلى مساحة للتفكير في الذات، وفي ما يختبئ خلف التفاصيل اليومية. فالعنوان «للحياة طعم آخر» لا يبدو مجرد اختيار جمالي، بل يحمل حمولة دلالية تحيل إلى البحث عن معنى مختلف للحياة، خارج الصور النمطية، وفي قلب التجارب الإنسانية الهشة.
وفي هذا السياق، يمكن قراءة العمل من زاوية أوسع، تختزلها عبارة: «نساء ونساء… حين تصبح العناوين اعترافات مؤجلة». إذ تُعدّ فدوى حسيني (سيناريست وكاتبة) من الأصوات التي تميل إلى الاشتغال على البعد الإنساني للمرأة، من خلال نصوص تتقاطع فيها التجربة الذاتية مع التوترات الاجتماعية والنفسية، في محاولة لتفكيك الحكاية النسائية من الداخل.
ويبدو أن خلفيتها في مجال السيناريو تترك أثرا واضحا في هذا الإصدار، حيث يتخذ السرد طابعًا بصريًا، تتحول فيه الفكرة إلى مشهد، والمشهد إلى توتر، ثم إلى سؤال مفتوح حول الإنسان ومصيره، وهو ما يمنح النص دينامية خاصة تتجاوز الحكي إلى بناء تجربة شعورية متكاملة.
وتكشف قراءة العناوين الفرعية عن هذا العمق الدلالي:
الشقيقة .. يحمل العنوان بعدا مزدوجا، فهو يحيل إلى علاقة الأخت بما تحمله من تضامن أو صراع، كما يمكن أن يُفهم كإشارة إلى الألم الداخلي غير المرئي، في تعبير عن معاناة نفسية واجتماعية متكررة.
ربيع حياتي .. يقوم على مفارقة بين الربيع كبداية وأمل، والحياة بما تحمله من تقلبات، في إيحاء بلحظة استعادة للذات أو ولادة جديدة بعد تجربة قاسية.
علاش أنا..؟!
صرخة وجودية مباشرة، تعكس سؤال الإنسان أمام الظلم أو القدر، وتفتح النص على أفق التأمل في العدالة والمعنى.
الاعتذار الميت .. عنوان كثيف الدلالة، يجمع بين إمكانية الإصلاح واستحالته، حيث يتحول الاعتذار إلى فعل بلا جدوى، في سياق علاقات انتهت ولم يعد بالإمكان ترميمها.
من خلال هذه العناوين، يتضح أن العمل لا يقدم قصصا عادية، بل يبني عالمًا قائما على الألم النفسي للمرأة، والصراعات العاطفية والاجتماعية، والأسئلة الوجودية، وانكسارات العلاقات الإنسانية.
كما أن الإيحاءات المرتبطة بالتوتر والعنف، كما يعكسها الغلاف، تضع هذا الإصدار ضمن فضاء الدراما النفسية ذات البعد السينمائي، أكثر من كونه سردًا تقليديًا، وهو ما يعزز خصوصية التجربة ويمنحها طابعًا بصريًا وشعوريًا في آن واحد.
وبهذا المعنى، فإن «للحياة طعم آخر» لا يمثل فقط إضافة نوعية إلى المكتبة المغربية والعربية، بل يشكل أيضا إغناءً للمشهد الروائي عبر عمل يعيد طرح الأسئلة الكبرى حول الإنسان، من خلال تفاصيل بسيطة تختزن عمق التجربة الإنسانية في أكثر تجلياتها صدقا.








